:: الموقع الرسمي لنشرة الجهاد ::

 

للإتصال بنا | تحميل العدد | إقتراحاتكم

اقرأ في هذا العدد ...

للإطلاع على العدد

لتحميل العدد

لتحميل العدد

د. رمضان شلّح الأمين العام للجهاد خلال إفطار نظّمته الكتلة الطبية للحركة في دمشق..

سياستنا: لا للتفريط، لا للاقتتال، لا للتنازل،

لا لتضييع أي شبر وأي ذرة من حقنا في فلسطين

 

تنشر «الجهاد» نص كلمة الأخ المجاهد الدكتور رمضان شلّح الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين خلال حفل إفطار نظّمته الكتلة الطبية لحركة الجهاد الإسلامي على شرف الأطباء والصيادلة الفلسطينيين بمخيم اليرموك في العاصمة السورية دمشق، يوم الخميس (18/9/2008)، بحضور نائب الأمين العام الأستاذ زياد النخالة ولفيف من قيادات الحركة...

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، إمام المجاهدين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

أحييكم بتحية من عند الله مباركة طيبة، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

 

يشرفني أن التقي هذا اللفيف الطيب والمبارك من الأخوة الأعزاء والأخوات الكريمات، ومن السادة العلماء، والسادة الأطباء، أنتم جميعاً تمثلون كما هو معروف النخبة، النخبة التي هي صفوة القوم، وعليّة القوم والتي تتحمل المسؤولية أمام الله سبحان وتعالى.

بداية لابد أن أصارحكم أنّي فوجئت بوجود الإعلام، مع الترحيب بالأخوة الإعلاميين، لكني فهمت من الأخوة عندما دعيت بأن الحديث سيكون داخلياً وموجّه لجمهور الأطباء، فقررت أن أتحدث في هذه الأمسية الرمضانية المباركة في بعض المعاني بعيداً عن السياسة؛ لأن الحديث في السياسة اليوم كما عبّر أحدهم، يمكن أن يفسد الصيام أو يفطر الصائم(!) والحمد لله أننا نتحدث بعد الإفطار، وطالما أن الإعلام قد حضر، فلا نملك إلا أن نلقي بعض الضوء على الواقع الذي تعيشه أمتنا اليوم وما وصلت إليه قضيتنا قضية فلسطين.

لا شك أن الواقع الذي تمر به أمتنا وقضيتنا اليوم واقع مرير. نحن نعيش واقعاً مأساوياً كبيراً على كل المستويات، بل لا أبالغ إذا قلت إن هناك مأزقاً حقيقياً تعيشه القضية اليوم، وتعيشه الأمة أيضا. لكن من رحمة الله بنا، أن هذا المأزق لا يتوقف عند حدود الساحة الفلسطينية، ولا عند تخوم وحدود الأمة العربية والإسلامية، بل يكاد العالم كله اليوم يكون في مأزق. هناك مأزق في القضية الفلسطينية، مأزق في النظام العربي، مأزق في الكيان الإسرائيلي. نعم، عدونا في مأزق، أمريكا في مأزق، والعالم كله اليوم في مأزق.

لكن ما يهمنا هو أن نقف في هذه الليلة، وفي هذه الدقائق القليلة المسموحة لنا، أمام ما نعانيه نحن. الأخ الكريم ذكّرني بأنّكم أنتم الأطباء عيادات تشخصون المرض، فتعالوا نضع القضية بين أيديكم لنشخص حالنا. نحن هنا في مخيم اليرموك أحد مخيمات اللجوء الفلسطيني، وهذا عنوان يذكرنا بأحد عناوين هذه القضية، أي قضية اللاجئين، وأننا نعيش في غربة، رغم أن سوريا هي بلدنا، وكبلد عربي فتح حضنه لنا كسائر بلدان العرب والمسلمين التي يقطنها الفلسطينيون الذين أُخرجوا من ديارهم وهُجّروا من وطنهم، لكن لا ننسى أننا ما زلنا نعيش كلاجئين، وأن هناك قضية بهذا العنوان وبهذه التسمية، فطالما أنني أحمل بطاقة لاجئ، فهذا يعني أن القضية الفلسطينية ما زالت تراوح مكانها، وأن المشكلة الفلسطينية ما زالت قائمة بكل أبعادها.

ما أود أن أشير إليه هنا أن ما هو أخطر من هذه الغربة التي نحياها، غربة المكان، هو حالة الاغتراب السياسي والفكري والنفسي والعقائدي والروحي التي تعيشها قطاعات واسعة من أبناء شعبنا. الاغتراب السياسي هو أن تشعر بعدم الإحساس بالقوة السياسية، أن يشعر الفلسطيني بأنه يسير في غير اتجاه، وأن الاتجاهات التي تتحرك فيها القضية الفلسطينية هو لم يشارك في رسمها، ولا في تحديدها، ولا في صناعتها، كأن الآخرين يرسمون لنا هذه المسارات.. كأن الآخرين يحددون المصير، ويحددون البرامج، ويقررون كل شيء في هذا العالم. هذا الإحساس يقود من يشعر به إلى اللاجدوى واللامعنى، أي أن لا تشعر بالانتماء إلى شيء. أن لا تشعر بالانتماء إلي هذا العالم وهذه القضية، وأن تعيش حياتك الخاصة كطبيب أو كمهندس أو كمدرس أو كعامل أو كموظف، ولم تعد فلسطين من كثرة ما فيها من مشاكل، وإرباك، وفوضى مفاهيم، وصراعات، وإراقة دماء تعني لك الكثير، أصبحت فلسطين بالنسبة للكثيرين منا لا شيء. مالي ومال القضية الفلسطينية. أصبحت القضية كأنها احتراف سياسي، السياسة يمارسها أهل السياسة من أتباع الأحزاب وقادة الفصائل وكوادر الفصائل، أما أنا، أنا فلسطيني صحيح، لكن هذا الأمر لا يعني لي الكثير اليوم، طالما أن فلسطين وصلت إلى ما هي عليه الآن! هذا اخطر ما يمكن أن تصل إليه قضية عادلة مقدسة في العالم كما هي قضية فلسطين.

لا أريد أن أطيل كثيراً في مظاهر هذا الاغتراب وهذا الإحساس باللامعنى عند الكثير من أبناء شعبنا والعزوف عن السياسة، التي كانت بالأصل هي النضال والكفاح من أجل فلسطين واستعادة حق الأمة كله في فلسطين. اليوم إذا أردنا أن نقف بين يدي واقع القضية الفلسطينية، حالة الانقسام، حالة الضياع، حالة الصراع، العدو الإسرائيلي في قمة الغطرسة والقوة والجبروت، النظام العربي ينفض يده من فلسطين، العالم كله متآمر على فلسطين، هذه صورة سوداوية قد توصل الكثير منا إلى أن ينفض يده، ويقول مالي ومال هذا الشأن. لا أيها الإخوة والأخوات، هناك مدخل يمكن أن يصحح كل هذه الصورة، وهذا المدخل ليس طوباوياً، هذا المدخل ليس من باب تسويق الأوهام التي لا أساس لها في أرض الواقع. كثيرون يقترحون حلولاً. بعض الناس يقولون لك، والله ما في حل إلا بإعادة بناء منظمة التحرير لتصبح هي الممثل الشرعي والوحيد لكل الشعب الفلسطيني، واحد ثاني يقول: لا، الحل هو تصحيح مسيرة المفاوضات، والنهج التفاوضي لابد أن يقوم على أسس سليمة أفضل مما هي موجودة الآن، أسس سليمة يعني كيف؟ ماذا يعني أسس مفاوضات؟ يعني (نبطل نشوف أولمرت فقط) وتصبح المفاوضات سليمة ومحترمة؟! آخر يقول لا بد من إصلاح السلطة الفلسطينية، وتصحيح مؤسساتها ومقاومة الفساد وبسط سلطة القانون أو الاحتكام إلى القانون والاحتكام إلى الديمقراطية... إلى آخره.

هذه الإجراءات أو هذه الجراحات الصغيرة والعلاجات والمسكنات، هل تعتقدون معشر الأطباء، إخوتي الأعزاء، أنها يمكن أن تصلح من أمر القضية الفلسطينية، وأن ترد لقضيتنا الاعتبار، وأن تضعنا على السكة الصحيحة، لكي نعود إلى فلسطين، وتعود فلسطين حقاً كاملاً لنا؟! أقول لكم هذا استمرار في الخداع، وهذا استمرار في التزييف، وهذا استمرار في التزوير. لماذا؟! لأن القضية الفلسطينية التي نعرفها منذ نشأتها، قاطرتها التي انطلقت على الأقل من 15 أيار 1948 في النكبة، خرجت عن السكة الأصلية، وأصبحت القضية الآن لا أحد يعرف ما هي القضية؟! ولا أحد يعرف بالضبط ما هي ثوابت القضية؟ كل واحد فينا فلسطين تعني له شيء. هناك أناس فلسطين بالنسبة لهم الضفة وغزة، وهناك أناس فلسطين اليوم بالنسبة لهم غزة. وهناك أناس فلسطين بالنسبة لهم رام الله. هناك أناس بالنسبة لهم الشتات هو الأهم الآن ويجب أن نعيد الاهتمام بالشتات. لا أيها الإخوة.. باختصار نقول لابد أن نبحث عن مسار أخر للخروج من هذا المأزق وهذه الأزمة الراهنة. هذا المسار عنوانه ليس إعادة بناء منظمة التحرير، مع أن هذا مطلب ضروري، ولكنها جزئية صغيرة في القضية، المطلوب هو إعادة بناء قضية فلسطين برمتها، في وعينا وضميرنا وعقلنا وحياتنا وسلوكنا وممارساتنا وأحلامنا وكل ما يتعلق بنا. لابد أن نعيد الاعتبار، وأن نعيد بناء قضية فلسطين. كيف يمكن إعادة بناء قضية فلسطين؟ أول شيء يجب أن نعيد تعريف القضية، هل هي قضية لاجئين؟ هل هي قضية ضفة وغزة؟ هل هي قضية فلسطينية فقط؟ هل هي تخص أهل الضفة وغزة فقط؟ ما هي قضية فلسطين؟ ما هي فلسطين في الجغرافيا، في التاريخ، في الإستراتجية، في الواقع، في الحاضر، في الماضي، في المستقبل؟ ما هي فلسطين؟ ماذا تعني فلسطين اليوم؟ كلمة الوطن التي تسمعونها من بعض الفضائيات ماذا تعني؟ و ما هو الوطن وما هي حدوده؟ أنتم جميعاً الجالسون هنا لستم من الوطن، لأنكم واحد من يافا، وآخر من حيفا، أو من طبريا، أو من صفد، أو من عكا، إذاً أنت لست من الوطن، الوطن الآن مناطق «أ» و«ب» و«ج» و«د» و«هـ»، ما بعد الحواجز، وما قبل الحواجز، هذا هو الوطن الذي أفرزته لنا الاتفاقات!

لا أيها الأخوة والأخوات، ينبغي إعادة تعريف القضية. فلسطين كل فلسطين أرض العرب والمسلمين، وهي جزء من الوطن العربي والإسلامي الكبير، فلسطين جزء من دار الإسلام، أهلها العرب نحن العرب بجذورنا الكنعانية والقبائل التي هاجرت من الجزيرة العربية ومن جاء من ساحل الشام ومن شرق المتوسط واستوطنوا فلسطين، هذا الامتداد البشري الذي يعود عمقه إلى آلاف السنين، قبل أن يستوطن في فلسطين يهودي واحد، هذه الكتلة البشرية هي أنتم، أجدادكم، نسلكم، تواصلكم. أهل فلسطين الذين هُجروا عام 48 هم كتلة بشرية لم ينقطع وجودها منذ آلاف السنين في هذه الأرض، بأي حق يقتلع هؤلاء الناس ثم يلقوا في كل أنحاء العالم؟! الآن الشتات الفلسطيني موجود ولا أحد يلتفت إليه. قضية فلسطين اليوم تختصر في الانقسام بين الضفة وغزة. من الذي أوجد الانقسام؟ عندنا ميل للاتهام المتبادل، وكأن الانقسام وكأن الاغتصاب وكأن الاحتلال الذي فرضه العدو لاشيء. نحن لا نقبل بأي إجراء ولا بأية خطوة تزيد الوضع الفلسطيني انقساماً وشرذمه وتجزئة، ولكن يجب ألا ننسى أن الذي قطع أوصال هذه الأرض وقسمها وألقى بأهلها خارجها هو الاغتصاب الصهيوني والعدو الصهيوني والاحتلال الصهيوني. إذاً يجب ألا تغيب فلسطين كامل فلسطين عن أذهاننا، إنها قضية بالنسبة لنا مقدسة. أنتم الآن في رمضان، نقرأ القران، ونقوم الليل، ونتسابق إلى التراويح، يا أخي اقرأ سورة الإسراء (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) هذا الوصل الإلهي بين المسجد الحرام، أول بيت وضع للناس في الأرض، والمسجد الأقصى، من الذي يقطعه الآن في مبادرات وفي اتفاقات، وكأن المسجد الحرام لا صله بينه وبين المسجد الأقصى؟ هذه المفاهيم يجب أن نستعيدها، وأن نعيد مفهوم القضية الفلسطينية ماذا تعني لنا؟

الأمر الثاني في إعادة بناء القضية هو ببساطة يجب أن تعود قضية مركزية للأمة كلها. قد يكون هذا الكلام قبل 50 سنة و60 سنة مقبولاً. كانت عبارة «القضية الفلسطينية قضية مركزية للأمة العربية والإسلامية» لها معنى ولها وقع في النفوس، ولكن إذا واحد يسمعنا اليوم، وخاصة الإعلام موجود، سيقول يعني هؤلاء الناس لن يتوقفوا عن الكلام بلغة الخمسينات والستينات؟! كيف تكون قضية فلسطين قضية مركزية؟! العالم العربي والإسلامي عنده من القضايا اليوم ما يضع قبل القضية الفلسطينية 100 قضية، ولا يلتفت إلى القضية الفلسطينية أحد. كيف تريد أن تكون فلسطين قضية مركزية؟ المسلسلات الرمضانية في الفضائيات اليوم قضية مركزية في كل بيت أكثر من القضية الفلسطينية! البعض لا يتحمل أن يتأخر عن المسلسل أو تفوته حلقة، لكن لو بقي مدة شهر أو أسابيع لا يسمع نشرة أخبار، كم شهيد اليوم في فلسطين، فهذا أمر عادي!

كيف يمكن أن نقنع الناس بأن تعود فلسطين قضية مركزية؟ هل المطلوب أن نؤكد عليها ببيانات وبخطب وبمواعظ وشعارات؟ لا، هناك مداخل كثيرة يمكن أن نتوسل إليها في إقناع الناس أو في إعادة الاعتبار لفلسطين كقضية مركزية، والحمد لله نحن كمسلمين وكعرب فلسطين تعني لنا الكثير مهما حدث، وهذا يمكن أن يسد خانة كبيرة في عقل وفي ضمير وفي وعي كل واحد منا بأن فلسطين تعني له الكثير. نعم، ربما لا يتابع، ولكنه عندما تصل الأمور إلى نقطة مفصلية، لن يكون مفرطاً، لأن التفريط في المقدسات، أو التفريط في الأرض كالتفريط في العرض، وفي النفس، وفي الهوية. ولكن هذا لا يكفي، المدخل الأساسي لإعادة الاعتبار لفلسطين كقضية مركزية اليوم هو أن ندرك خطر إسرائيل. من لم يصدق أن فلسطين قضية مركزية يجب أن يستشعر خطر طرح إسرائيل في المنطقة كقضية مركزية. إذا عرفنا ماذا يعني أن تكون إسرائيل مركزية في قلب المنطقة وقلب الأمة، عندها سوف نتحسس أنفسنا، وسنسأل أين فلسطين؟ ولماذا غابت وحضرت هذه الآفة وهذه الغدة السرطانية على الخريطة، لتمحوا منها فلسطين؟ مركزية إسرائيل ماذا تعني لنا كعرب وكمسلمين؟ إسرائيل تريد أن تكون القوة المهيمنة، القوة المسيطرة. أمريكا والغرب بكل ما يملك يصر على أن تبقى هذه الثكنة العسكرية المسلحة والمدججة بأسلحة الدمار الشامل حارسة لمصالحهم في قلب الأمة. أكثر من 200 رأس نووي هذا باعتراف كثير من الخبراء الغربيين مدججة بها هذه القلعة وهذه الثكنة العسكرية المسماة إسرائيل، لكن هل سمعتم أمريكياً أو أوروبياً يعترض على امتلاك إسرائيل السلاح النووي؟ كل القيامة قائمة، والدنيا تقوم ولا تقعد، بأن هناك محاولات من بعض العرب أو المسلمين بأن يفكروا في امتلاك الطاقة النووية أو القدرة العلمية النووية، فهذا ممنوع!  يجب أن يبقى العرب والمسلمون في ذيل القائمة، يجب أن يبقى المسلمون خارج الركب الإنساني كله. هذه الكتل الموجود في النظام الدولي، الأوروبيون عندهم كتلة، الآسيويّون عندهم كتلة، الصين صاعدة، روسيا تعود لتستعيد على المسرح الدولي قوة الاتحاد السوفييتي، وتفتتح كما يقول البعض مرحلة حرب باردة جديدة، ربما على وشك أن ندخلها، الهند هذا العملاق الكبير.. كل هؤلاء لهم أوزان، ولكن الذي يجب أن يغيب ويساوي الصفر في ميزان القوة الدولية هم العرب والمسلمون. هذا قرار في الغرب ولدى من يمسك بسدته في واشنطن والعواصم الأوروبية.

إذاً عندما نقول إن فلسطين يجب أن تكون قضية مركزية، فأنت تكون على صدام مع من نصّب نفسه ليكون هو القضية المركزية وهو مركز المنطقة وهو مركز القوة فيها، أي إسرائيل. هل يعقل أن دولاً مركزية في أمتنا لها ثقل وعمق تاريخي وحضاري واقتصادي واستراتيجي، هذه الآن تدير ظهرها لفلسطين، وتنفض يدها من فلسطين، وشغلها الشاغل أن تشتغل في تفاصيل الأجندة التي تضعها أمريكا والتي تضعها إسرائيل، والله في خطر في لبنان اسمه حزب الله، في خطر اسمه المقاومة العراقية، والإرهاب يجب أن يلاحق، في خطر اسمه المقاومة في فلسطين، هذا كله إرهاب يجب أن يستأصل ويقاوم!! هذه أجندات لا تعبر لا عن العرب ولا عن المسلمين، أجندات لم يبتدعها العرب ولم يبتدعها المسلمون، لا ترعى لنا مصالح، ولا تضمن لنا مستقبلاً، ولا تدافع لنا عن مقدرات. هذه أدوات يصوغها المشروع الاستعماري لنبقى أتباعاً له، وعبيداً عنده، وليبقي هو مركزية إسرائيل في قلب الأمة. الذي لا يريد فلسطين قضية مركزية فليتفضل ويقبل بإسرائيل كقضية وكوجود مركزي في قلب الأمة، للأسف بعضهم قبل ووقع على اتفاقات وسلم بأن لا تقوم لنا أي قائمة!

 

الإخوة والأخوات الكرام .. لعلي أطلت فأختم في بضع نقاط:

أولاً: حتى نعيد الاعتبار لهذه القضية يجب أن نعيد تعريف قضية فلسطين وماذا تعني لنا فلسطين، ثم يجب أن نعيد قضية فلسطين كقضية مركزية في الأمة. لا يمكن لهذه الأمة أن يفلح فيها أي مشروع نهضوي أو تنموي أو ثقافي أو حضاري ما لم يبدأ بالتخلص من والاشتباك مع السرطان المسمي «إسرائيل» في قلب هذه الأمة.

ثانياً: هذه ليست أوهاماً. إسرائيل اليوم في مأزق، وإذا كنا نحن في مأزق حجمه الصدام بين فتح وحماس، أو عدم الاتفاق علي خطة عمل فلسطينية، فالمأزق في هذا الكيان هو مأزق وجودي. سؤال المصير في هذا الكيان يطرح خلال السنوات الأخيرة بعمق لم يسبق له مثيل، وسبق أن أشرت إلى طرفه بسيطة، وهي في الحقيقة ليست طرفة، بل معلومة نشرت في الصحافة الإسرائيلية في ذكرى الاحتفالات بالكيان الإسرائيلي وعمره الستين. أحد الكتاب الأمريكان اليهود كان في زيارة للاحتفال بهذا الكيان، وفي آخر يوم قبل مغادرته الكيان إلى واشنطن شعر بألم في أسنانه، فذهب إلى طبيب أسنان قبل موعد الطائرة بساعتين، فسأله الطبيب، لماذا أنت هنا، وما هو عملك؟ قال أنا كاتب جئت أشارك في احتفالات إسرائيل، فسأله الطبيب: عن ماذا تكتب، وفي أي موضوع؟ قال أنا أكتب عن إسرائيل ومستقبل إسرائيل، فضحك طبيب الأسنان اليهودي الإسرائيلي في تل أبيب وقال له: أنا الآن فهمت إنك تكتب قصصاًً قصيرة. أي أن قصة إسرائيل في هذه المنطقة قصة قصيرة وليست رواية طويلة الأمد.

إذا كان المواطن والطبيب والنخبة في إسرائيل تشعر بأن عمر هذا الكيان قصير، ماذا تقولون أنتم بسورة الإسراء ووعد الله في القرآن؟! أنا أقول لكم إن زوال إسرائيل ليس أمراً ممكناً فحسب، بل هو حتمي وسيقع بأمر الله سبحانه وتعالى، لكن هذا يتطلب إعداداً وعدة. الهزيمة النكراء التي منيت بها إسرائيل عام 2006، حتى الآن تداعيات هذه الهزيمة تتفاعل داخل هذا الكيان. سؤال المصير بعد هذه الهزيمة يأكل ضمير هذا الكيان وكل مفاصل القوة فيه. كل التهديدات التي يطلقها هذا الكيان أول ما تهدف إليه هو استعادة التوازن النفسي قبل قوة الردع المادية للمواطن الموجود على أرض هذا الكيان. ألا يجدر بنا ونحن نقرأ القرآن، ونحن الآن نعيش في ظلال بدر، وذكرى الانتصارات القديم منها والحديث، أن نكون أولى باستعادة الثقة والتوازن؟ في رمضان عام 73، حتى لو جير هذا النصر بشكل ما للسياسة، لكن الأمة العربية انتصرت. وفي يوم العاشر من رمضان سجل الإنسان العربي في قناة السويس وفي الجولان صفحة جديدة من العز والانتصار زلزلت أركان الكيان آنذاك. أنتم تعرفون أو بعضكم على الأقل يعرف أن إسرائيل في ذاك اليوم، على وقع الانتصار ودوي الزلزال الذي حدث في السادس من أكتوبر أو في العاشر من رمضان، غولدمائير أصدرت أمراً بأن يوضع السلاح النووي في الخدمة، أو on alert كما يقولون، أي تحت الطلب في أن يستخدم في الحرب، ولولا أن واشنطن تدخلت يومها بالجسر الجوي والإمداد بالسلاح، لكنا ذهبنا في اتجاه آخر.

ثالثاً: القضية الفلسطينية اليوم يجب أن لا يفقد أهلها البوصلة. فلسطين ليست الضفة أيها الإخوة والأخوات، فلسطين ليست غزة، فلسطين ليست سلطة، فلسطين ليست منظمة، وإن كنت هنا أقول منظمة التحرير نعم، الشعب الفلسطيني عندما أقامها، ماذا أراد منها، وماذا يحمل اسمها؟ اسمها منظمة التحرير الفلسطينية وليست منظمة التوقيع على الاعتراف بإسرائيل، منظمة تحرير وليست منظمة تمرير حلول سلمية، منظمة تحرير فلسطين كل فلسطين لهذا نشأت. والمنظمة نشأت يوم أن نشأت لتحرير أراضي الـ 48 لا أراضي الـ 67. منظمة التحرير عندما يعاد بناؤها يجب أن تراعي هذه الأسس. كيف يشطب الميثاق؟ كيف تشطب عبارة إزالة تحرير فلسطين؟ كيف تشطب عبارة أزاله هذا الكيان وتفكيكه؟ كل هذه أفقدت منظمة التحرير قيمتها وهويتها ومعناها. منظمة التحرير كانت كياناً ووطناً قانونياً ومعنوياً للشعب الفلسطيني. ولكن هذا الكيان من يمثل الآن؟ المشكلة لم تبدأ بما جرى في غزة، وإن كان ما جرى لم يكن يتمناه أحد ويتوقعه أو يريده أحد، ولكن علينا أن نعلم يوم تم تفريغ منظمة التحرير في سلطة أوسلو ومسخت المنظمة وسحقت المنظمة لتكون خادماً لمشروع أوسلو، من هناك بدأ الانحراف الكبير. الآن يجب إعادة بناء منظمة التحرير لتصبح إطاراً جامعاً لكل الشعب الفلسطيني. هناك وقائع جديدة على الأرض. هناك شهداء وقوافل وأجيال من الاستشهاديين. والرايات المتعددة في فلسطين نحن لا نريد كثرة وتناسل هذه الرايات، نريد راية واحدة تجمعنا، نريد قيادة واحدة تجمعنا، نريد بوصلة واحدة نسير على هديها وباتجاهها، ومنظمة التحرير بإعادة البناء ضمن إعادة بناء قضية فلسطين، تصلح لذلك. ولكن، قبل أن نبدأ بإعادة بناء هذه المؤسسة أو تلك، يجب أن نعيد بناء القضية وأن نستعيد توازننا وأن نخرج من حالة الاغتراب، فهي المقدمة الأولى للخروج من حالة التهجير والغربة التي نعيشها وهذا الشتات الذي يهيم فيه الفلسطيني على وجهه في الأرض. ونحن نقول إن طريق العودة ليس الشعارات، ولكن الجهاد والمقاومة هما طريق التحرير. ما حققته المقاومة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية وما تحققه المقاومة العراقية، دليل على قوة وحيوية هذه الأمة وقدرتها على أن تنهض من تحت الركام وتحت الأنقاض، وأن تصنع المعجزة، وأن ترسم طريق الانتصار بإذن الله سبحانه وتعالى.

هذا هو الطريق الذي نحن نتحدث عنه في هذه المرحلة، طريق الجهاد والمقاومة. وفي السياسة، بعض الناس ربما يقول ما هو مشروع حركة الجهاد الإسلامي ولماذا انتم ترفضون؟ نحن نقول إذا كان هناك أجندة للمقاومة والجهاد فنحن في قلبها مع الجميع، وإذا كانت السياسة والأجندة السياسية تعني أن نفرط أو أن نقتتل وأن نتصارع، فنحن لا نتعاطى السياسة بهذا المفهوم. سياستنا اليوم أن نقول: لا، لا للتفريط، لا للاقتتال، لا للتنازل، لا لتضييع أي شبر وأي ذرة من حقنا في فلسطين. هذا هو برنامجنا، وهذه هي أجندتنا التي نأمل ونطمح أن تسهم في صياغة برنامج وأجندة وإستراتيجية فلسطينية قادرة على تصحيح المسار والخروج من الأزمة والمأزق الراهن.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وشكراً لكم، وكل عام بخير، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا صيامنا وقيامنا وصلاتنا، وأن يوفقنا لما فيه الخير، وأن يألف بين قلوبنا، وأن يجمع بيننا على الخير والحق إن شاء الله، بارك الله فيكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.