|
لا ترحل..
كما في كل عام يسمو حضورك فوق
الحضور.. ويعلو جبينك المعطاء فوق
الجموع.. أمواج من الناس يتلاطمها
العشق والشوق لهذا الطّين وهذي
الرّوح.. ما أجمل هذا الطّين، من
جرح بلادي، وما أجمل هذي الرّوح
كالندى المزروع على كل وردة وكل
حبّة تراب من أرض فلسطين
الحبيبة..
وحضورك أيها الرقراق منساباً فوق
الصّباح يخترق الجبال والبحار
والعواصم.. يعلو ويشمخ فوق الجموع
النابضة بوعي التراب الذي يكتنز
الخفايا والحكايا والصراط.. فلقد
غرست بين جنبات الصّبح كمّون
البدايات التي عطّرتها
بالياسمين..
***
منذ أن أيْقَنَتْ كفّيك أول جبهة
للطّين.. وكبُرتَ كبُرتَ ونَمَتْ
جذورك وتورّقت أوراق أغصانك
الضاربة نحو الشموخ، واشتدّ ساعدك
البهي، وعرفت معنى الحب، طعم
الفرح لون الجرح وألم الحنين..
منذ أن أطلقت العنان لروحك،
فأنْطَقتْ الجسد، وكانت أولى
همساته «فلسطين»..
ولقد أبصروك، وعرفوا بأن جبينك
الوضّاء يوقظ رعبهم، وبأنّ ليل
الغربة وألم اللجوء إذا ما قلّبته
بين الضلوع وخلف الثنايا أضحى
شعاعاً عابراً يخترق المدى
ويتحدّى لغة الضوء العادية.. وهم
أبصروك، لذا كان اغتيالك..
***
الآن ندرك سرّ رحيلك مسرعاً، سرَّ
ارتقاء الرّوح في زمن الغياب..
فالشمس لن تُؤوي مَدَاك.. وأشعة
الضوء التي أرخت خيوطاً فوق أرصفة
العواصم والمدى المنظور لن تؤوي
ثراك..
لملمت في ذاك المدى قنديل غربتنا
ووجع اللجوء وهمَّ الذين استضعفوا
وركبت وحدك موج الراحلين على
عَجَل.. ليكون ذلك آخر عهدك
بالطّين، بالسيف والقلم.. والزهرة
والدمعة والطلقة..
***
يا سيدي خذ من بقايا روحنا، خذ من
بقايا عظمنا ولحمنا وقهرنا وجوعنا
وحزننا، وامكث قليلاً لا ترحل..
فلا جبين الشمس يُؤوينا ولا تلك
البحار تُسلي حزننا، ولا المدى
سيوقف موتنا..
يا سيدي قبّلت كفّك، ثرى جبينك
المزهو بالحلم الذي أسكنته بين
الضلوع؛ امكث قليلاً.. ولا تمضي
وحيداً خلف سرابنا القاتم..
نحن انتظرناك احتمالاً عائداً
ربّما يأتي الغياث.. فلم يستجب
ذاك الغياب.. فكيف السبيل إلى ضيا
عينيك أيها الفذّ فقسماً بأنا «قادمون»..
لن تمضي وحيداً حقاً إلى ثراك
إنّا «زاحفون»..
حسين الشامي
|