|
متابعة
وفد من
الجهاد الإسلامي يجول في مخيم
البارد
ألم
مستمر.. وأمل يتجدّد
ثمة أشياء معنوية لا تطعم خبزاً
ولا تقي حراً ولا برداً، لكنها
تفعل (الأفاعيل) بالإنسان؛
كالخائف عندما يُجار أو تائه
الصحراء يلتقي بقافلة أو المريض
يوصف له الدواء الناجع.
وهل من شك بمن كان هذا حاله إلا
وأن يشعر بإقبال الدنيا عليه..
والحياة كلها؟
لعلّ أزمة مخيم نهر البارد واحدة
من مآسي شعبنا التي مازالت ماثلة
للعيان وحاضرة في الأذهان؛ من
يعرف ذاك المخيم قبل الهدم
والطّحن يجد الفارق النقيض كالليل
والنهار كالأرض والسماء.. كالموت
والحياة، إلا إذا كانت المعرفة
عبر صورة صحفية أو تقرير إخباري
أو بعض صرخات كتيمة ضاعت مع غبار
المخيم في أدراج المرجعية.. أو
المرجعيات، فيكون الأمر سيّان!
وفد من حركة الجهاد الإسلامي
برئاسة ممثلها في لبنان الحاج أبو
عماد الرفاعي دخل المخيم المنكوب،
جال في شوارعه الموحلة وبين
الأبنية المرمّمة والمدمّرة وبين
بعض الأحياء التي ذابت معالمها
أسوة بالمخيم القديم، دخل على
الأماكن المؤقتة طبية وعلمية
وتربوية وسكنية وعلى طبقات الركام
أيضاً والتي كانت صروحاً شامخة
تفخر بالكدّ وتعب السنين.. ورمزاً
من رموز اللجوء المؤقت لحين
العودة.
التقى من الوجوه الفاعلة ومن أهل
الصلاح والعلم والفلاح وبأعضاء
اللجنة الشعبية الفلسطينية لمخيم
نهر البارد وأثنى على دورهم في
سهرهم وتحمّلهم وتفانيهم خدمة
لأبناء شعبهم في المخيم.
كيف لا وهم الجهة الوحيدة التي
لها حق التحدث باسمهم رغم محاولات
الدس والادعاء التي يسوقها بعض
الصغار وضعاف النفوس مِمن لم يكن
لهم شرف الانتماء إلى هموم وآلام
ومقاومة شعبنا ومؤسساته في
المخيم.
وبإدراك وأمانة المسؤول تحدّث
الحاج أبو عماد بوضوح دون
التواء.. ولِحدّ الإدانة دون
تخصيص أو تمييز، تحدّث عن فقدان
المرجعية الموحّدة وهذا يكفي
لحدوث ما حدث، ورفض فكرة تناول
المخيمات من زاوية أمنية دون
الالتفات إلى الحقوق التي يحرم
منها الفلسطيني اللاجئ في
المخيمات منذ ستين عاماً، وطالب
بالإسراع بالإعمار وامتلاك الأرض
والتعويض عن ما فقد... فلسنا
مسؤولين عن الكارثة بكل أبعادها
ونتائجها وكوابيسها، وحمّل
المسؤولية المعيشية والخدماتية
كاملة (للأونروا).. وهذا حق طبيعي
لحين العودة لأرض الوطن، ودعا
المعنيين إلى تخفيف الإجراءات
العسكرية.. فلم نكن طرفاً منذ
البداية وتساءل: «كيف لابن مخيم
نهر البارد الحق في التجوّل بكافة
المناطق اللبنانية طولاً وعرضاًً
دون أن يُسأل.. ولا يستطيع الدخول
إلى مخيمه وبيته إلا بتصريح مع
العلم والمعرفة أن مخيم نهر
البارد بات خالياً حتى من شفرات
الحلاقة وعصيّ الفؤوس
والمعاول»؟!.
وبنبرة الواثق وعنفوان القائد
قال: «لن تمرّ مشاريع التوطين
والتهجير إقليمية كانت أم دولية
وخير دليل هو وجودنا وإياكم في
مخيم نهر البارد فوق كل هذه
الجراح».
أجاب على الكثير من التساؤلات
والأسئلة بعد أن سمع الأنّات
والشكوك والهواجس مثل:
(الأونروا) وظلمها، الإجراءات
وتعسّفها، والمؤسسات ولصوصيتها،
والبطالة.. وحدها البطالة طالت
خمساً وسبعين بالمائة من أبناء
المخيم!! بينما كان أحدهم يبني
مسجداً وآخر يرصف كل الطرقات من
جيبه الخاص أو يشتري مستوصفاً
متحركاً ويهديه لإحدى بلدات
الجوار اللبناني.. والآن يشكو
المتربة، ينام باكراً فيصحو
باكراً ليلحق بربطة الخبز وعلبة
الفول وإلا فاته وعياله طعام ذلك
النهار.. ظلم في الداخل وظلم على
المداخل!.
كيف لورقة دخول مهينة تحوّل
المخيم من تجمّع بشري عمراني
اقتصادي تنبض فيه الحياة ـ يحجّه
الآلاف يومياً من الجوار ـ إلى
سجن كبير في النهار وغابة وحشية
في الليل تسكنها الأفاعي
والأشباح؟!.
ولم يكتفِ الحاج أبو عماد
باللقاءات فتفقّد القاعات
والصفوف، مسح على رؤوس الأطفال،
خاطبهم على قدر عقولهم كأب ومعلم
وقائد يعي معنى التنشئة والتربية
للأجيال في زمن المعركة.. أو في
زمن الوهن والتزلف.
رغم الألم المغروس في النفوس كنت
تقرأ الفرحة في ملامح الناس..
لعله الأمل يتجدّد عبر خطوات
جريئة خطاها مسؤول فلسطيني للمرة
الأولى بتميّز منذ كارثة نهر
البارد.
وعند مغادرة وفد الجهاد الإسلامي
للمخيم تعلقت العيون بالموكب
تستعيد مخزون الذاكرة جديدها
والقديم وتمّعن في تلمّس التفاصيل
بينما حيرة ظاهرة على الوجوه: هل
تكون الخطوة الأولى في مسيرة
الألف ميل، أم هي الأولى
والأخيرة؟!، إنه سؤال من مسنّ
وقور عاش النكبتين. الإجابة عند
المرجعيات الفلسطينية...
أبو اللواء موعد
|