:: الموقع الرسمي لنشرة الجهاد ::

 

للإتصال بنا | تحميل العدد | إقتراحاتكم

اقرأ في هذا العدد ...

للإطلاع على العدد

لتحميل العدد

لتحميل العدد

دور الحج في نهضة الأمة

 

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد:

فالإنسان يسافر إلى أبعد البلاد للتجارة ولربح الأموال، وذلك ليبرهن للناس ولنفسه أنه استطاع أن يحقق رغباته ويؤمن حياته المعيشية.

أما المؤمن فيسافر إلى مكة في موسم من أعظم المواسم ليبرهن لربه جلَّ وعلا أنه ذهب لأجله ولمرضاته، ومن المعلوم أن التجارة مع الله جلَّ وعلا رابحة دون شك.

فالحج مؤتمر عالمي يتجمع الناس فيه من كل حدب وصوب ليؤدوا هذه الشعيرة العظيمة التي تكسب الإنسان الغفران من الذنوب كيوم ولدته أمه.

من هنا يتبين لنا دور الحج في نهضة الأمة الإسلامية وذلك من عدة أسباب:

1. العدالة: حجاج بيت الله الحرام يلبسون ثوباً واحداً، سواء أكان الإنسان غنياً أم فقيراً، أسوداً أم ابيضاً، رئيساً أم مرؤوساً، فهذا يدل على أن الناس سواسية كأسنان المشط، فهذا درس عظيم لحكام هذه الأمة لتحقيق العدل والمساواة بين الناس مهما كانت رتبهم الإجتماعية ومكانتهم السياسية؛ لأن فقدان العدالة بين الناس أدى إلى كثير من الظلم والضجر عند الناس، وفقدوا ثقتهم في حكام بلادهم.  يقول صلى الله عليه وسلم:«إنما هلك من كان قبلكم بأنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، والذي نفسي بيده، لو كانت فاطمة بنت محمد، لقطعت يدها». [صحيح مسلم]

فأي نهضة للأمة وهي ظالمة تفرِّق بين الناس، ولقد قال شيخ الإسلام  ابن تيمية: «ينصر الله الدولة الكافرة على الدولة المسلمة إذا كانت الدولة الكافرة عادلة، والدولة المسلمة ظالمة».

 

2. التعارف والتآلف بين الناس:

الناس في الحج يتعارفون على بعضهم البعض، لا تجمعهم حاجة من حاجات الدنيا الزائلة؛ إنما جمعهم الحب في الله، والشوق والهيام والحنين إلى تلك الديار المقدسة. فهناك تتوحد الجهود والأعمال والأقوال، وتتآلف القلوب.  يقول الله تبارك وتعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}[ الحجرات:13].

فيتعرف المؤمن على هموم إخوانه المسلمين وما يعانونهه في بلدانهم من قهر وظلم وخاصة إذا شاء الله ووصل أهلنا الحجاج من غزة الى بيت الله الحرام فسينقلون مأساتهم الحقيقية والكارثية لإخوانهم من بقاع شتى ليحملوها إلى بلدانهم، ولعلّ ذلك يحرّك ساكناً فيما بعد، وذلك تحقيقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من لا يهتمَّ بأمر المسملين فليس منهم». [أخرجه الطبراني في المعجم الصغير (908) ص 378].

 

3. الوحدة وتقرير المصير:

الناس في الحج على اختلاف مذاهبهم يتوحدون، فالكعبة المشرفة قبلتهم جميعاً، يطوفون حولها، ويسعون بين الصفا والمروة، ويصلون خلف إمام واحد، يكبرون مع تكبيرته، ويركعون ويسجدون معه. ما أجملها من لحظات! وما أروعها من ايام معدودات!

فتنشأ هناك روح الإخوة بين المسلمين ممزوجة بماء زمزم الطاهرة التي تنقي البدن والروح. فالمسلمون بتوحدهم يكونون أقوياء لأن يد الله مع الجماعة، ولأن مصيرهم واحد وهو التخلص من العدو اليهودي وجلائه عن الأراضي المقدسة.

 

4. حرمة الدم المسلم على أخيه:

في تلك البقاع الطاهرة يتذكر الحجيج خطبة النبي صلى الله عليه وسلم  الشهيرة وهي حجة الوداع فبين فيه حرمة الدم المسلم على أخيه، وبين عظم هذه الحرمة.  أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي بكرة، عن أبيه قال: لما كان ذلك اليوم، قعد على بعيره وأخذ إنسان بخطامه، فقال: «أتدرون أيَّ يوم هذا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه، فقال: «أليس بيوم النحر؟» قلنا: بلى، يا رسول الله! قال: «فأيُّ شهر هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «أليس بذي الحِجة؟» قلنا: بلى، يا رسول الله! قال: «فأيُّ بلد هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه، قال: «أليس بالبلدة؟» قلنا بلى، يا رسول الله! قال: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، فليبلغ الشاهد الغائب».

وقال صلى الله عليه وسلم في ذاك اليوم: «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض». [صحيح مسلم]

فلن تستطيع الأمة أن تنهض والدماء تجري في العراق وفلسطين بين أبناء الدين والبلد الواحد. فلا بدَّ من وقف شلال الدم كيف تستطيع الأمة أن تكون سيدة الأمم.

 

5. تحقق التعاون والتضحية:

 في هذا المؤتمر العظيم يتعاون الإفراد والجماعات على المبرات والخيرات، يوقظ المرء أخاه في الله لأداء صلاة الفريضة الليلية والنوافل والطاعات، فتتوثق العلاقات والروابط لا لغرض مادي رخيص، وإنما من أجل الله تعالى وذكره ومرضاته والتفكر في دينه؛ هناك يعمل كل فرد من أفراد الأمة الإسلامية في مجال الإعلام الهادف، ويكون عملهم تضحية بالمجّان ليس الهدف الحصول على حفنات قليلة من المال في سبيل نشر إخباريات كثيراً ما يتناقلها الإعلاميون من غير تحقق أو تدقيق؛ وإنما الهدف هو نشر أخبار الأمة الإسلامية وإذاعة الحقائق صارخة عالية مدوية في ضمير الكون وأهله، لتستفيق الأمة وتتنبَّه لغدر أعدائها الذين يتربصون بها الدوائر، ويقفون على مفارق طرقها الآمنة يقطعونها باسم الحريات والمدنيات والتقدم.. والشعارات الزائفة. [عبد القادر ترنني، الحكم من أعمال الحج].

كل الحجيج لا يمتلكون إلا أن يحيوا حياة السلم والسلام ولو ساعات معدودات من أيام عمرهم شاؤوا أم أبَوْا؛ فمن غير شعور منهم أو إرادة يتجلى مظهر السلام في أعمالهم وتجمعهم وهم يؤدون مناسكهم، ثم تتلألأ أنواره على صفحات وجوههم وهم بين أقوامهم وأهاليهم.